عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

48

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

النظم للإشعار بأن العمدة في فلاح المؤمنين فضل اللَّه وفي هلاك الكافرين أن خسروا أنفسهم ، وللتصريح بالوعد والتعريض بالوعيد قضية للكرم أو بما يليه ، والمراد بآيات اللَّه دلائل قدرته واستبداده بأمر السماوات والأرض ، أو كلمات توحيده وتمجيده وتخصيص الخسار بهم لأن غيرهم ذو حظ من الرحمة والثواب . قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّه تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ ( 64 ) ولَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 65 ) * ( قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّه تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ ) * أي أفغير اللَّه أعبد بعد هذه الدلائل والمواعيد ، و * ( تَأْمُرُونِّي ) * اعتراض للدلالة على أنهم أمروه به عقيب ذلك وقالوا استلم بعض آلهتنا ونؤمن بإلهك لفرط غباوتهم ، ويجوز أن ينتصب غير بما دل عليه تأمروني أن أعبد لأنه بمعنى تعبدونني على أن أصله تأمرونني أن أعبد فحذف أن ورفع كقوله : ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى ويؤيده قراءة * ( أَعْبُدُ ) * بالنصب ، وقرأ ابن عامر « تأمرونني » بإظهار النونين على الأصل ونافع بحذف الثانية فإنها تحذف كثيرا . * ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ ) * أي من الرسل . * ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) * كلام على سبيل الفرض والمراد به تهييج الرسل وإقناط الكفرة والإشعار على حكم الأمة ، وإفراد الخطاب باعتبار كل واحد واللام الأولى موطئة للقسم والأخريان للجواب ، وإطلاق الإحباط يحتمل أن يكون من خصائصهم لأن شركهم أقبح ، وأن يكون على التقييد بالموت كما صرح به في قوله * ( ومَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِه فَيَمُتْ وهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ) * وعطف الخسران عليه من عطف المسبب على السبب . بَلِ اللَّه فَاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 66 ) وما قَدَرُوا اللَّه حَقَّ قَدْرِه والأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُه يَوْمَ الْقِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِه سُبْحانَه وتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 67 ) * ( بَلِ اللَّه فَاعْبُدْ ) * رد لما أمروه به ولولا دلالة التقديم على الاختصاص لم يكن كذلك . * ( وكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) * إنعامه عليك وفيه إشارة إلى موجب الاختصاص . * ( وَما قَدَرُوا اللَّه حَقَّ قَدْرِه ) * ما قدروا عظمته في أنفسهم حق تعظيمه حيث جعلوا له شركاء ووصفوه بما لا يليق به ، وقرئ بالتشديد . * ( والأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُه يَوْمَ الْقِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِه ) * تنبيه على عظمته وحقارة الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام بالإضافة إلى قدرته ، ودلالة على أن تخريب العالم أهون شيء عليه على طريقة التمثيل والتخييل من غير اعتبار القبضة واليمين حقيقة ولا مجازا كقولهم : شابت لمة الليل ، والقبضة المرة من القبض أطلقت بمعنى القبضة وهي المقدار المقبوض بالكف تسمية بالمصدر أو بتقدير ذات قبضة . وقرئ بالنصب على الظرف تشبيها للمؤقت بالمبهم ، وتأكيد * ( الأَرْضُ ) * بالجميع لأن المراد بها الأرضون السبع أو جميع أبعاضها البادية والغائرة . وقرئ « مطويات » على أنها حال و * ( السَّماواتُ ) * معطوفة على * ( الأَرْضُ ) * منظومة في حكمها . * ( سُبْحانَه وتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * ما أبعد وأعلى من هذه قدرته وعظمته عن إشراكهم ، أو ما يضاف إليه من الشركاء . ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّه ثُمَّ نُفِخَ فِيه أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ ( 68 )